مجد الدين ابن الأثير
63
المختار من مناقب الأخيار
وقال الأوزاعي : إنّ عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه خرج في سواد الليل فرآه طلحة ، فذهب عمر فدخل بيتا ، ثم دخل بيتا آخر ، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت ، فإذا بعجوز مقعدة « 1 » فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟ قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا بما يصلحني ، ويخرج عني الأذى . فقال طلحة : ثكلتك أمّك ! أعثرات عمر تتبع ؟ ! « 2 » . وقال أسلم : كان عمر رضي اللّه عنه يصوم الدهر ، وكان زمان الرّمادة « 3 » إذا أمسى أتى بخبز قد ثرد بالزيت ، إلى أن نحروا يوما من الأيام جزورا ، فأطعمها الناس وغرفوا له « 4 » طيّبها ، فأتي به ، فإذا فدر من سنام وكبد ، فقال : أنّى هذا ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين من الجزور الذي نحرنا اليوم . قال : بخ بخ ! بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت كراديسها « 5 » ، ارفع هذه الجفنة ، هات لنا غير هذا الطعام . فأتي بخبز وزيت ، فجعل يكسر بيده ويثرد ذلك الخبز ثم قال : ويحك يا يرفأ ! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ « 6 » ، فإنّي لم آتهم منذ ثلاثة أيام ، أحسبهم مقفرين ، فضعها بين أيديهم « 7 » . وقال عبيد اللّه بن عباس : كان للعباس ميزاب على طريق عمر رضي اللّه
--> ( 1 ) في الرياض وصفة الصفوة : « فإذا بعجوز عمياء مقعدة » . ( 2 ) أخرجه صاحب الرياض النضرة 2 / 76 ، وقال : خرجه الفضائلي . وهو أيضا في صفة الصفوة 1 / 281 . ( 3 ) زمان الرمادة : سنة كان فيها الجدب والقحط في عهد عمر . وقيل : سمّي به لما أجدبوا صارت ألوانهم كلون الرماد . النهاية ( رمد ) 1 / 262 . ( 4 ) في ( أ ) : « وغرفوا لها » . ( 5 ) الكراديس : رؤوس العظام ، واحدها كردوس . اللسان ( كردس ) . ( 6 ) ثمغ : موضع مال بالمدينة لعمر رضي اللّه عنه وقفه . القاموس ومعجم البلدان ( ثمغ ) . ( 7 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 3 / 312 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة 1 / 282 ، 283 .